عبد الملك الخركوشي النيسابوري

147

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال سهل بن عبد اللّه : الشبع رأس كل آفة . وقال ذو النّون : صحة الجسم في قلة الطعام ، وصحّة الروح في قلّة الآثام . وقال حمدون القصار : أصل كل داء كثرة الأكل ، وآفة الدين كثرة الأكل . ويقال : مثل الجوع كمثل الرعد ، والقناعة كالسحاب ، والحكمة كالمطر . وقال سمنون : رأيت إبراهيم الخواص يقول : كلما ازداد جوعا ازداد سمنا . وكان الفضيل يقول : إلهي ، أجعتنى وأجعت عيالي ، وأعريتنى وأعريت عيالي ، وتركتني في ظلمة الليل بلا مصباح ، وإنما تفعل هذا بأوليائك فبأي منزلة نال الفضيل منك هذا . وعن أبي محمد الكتاني أنه قال : جاءني بعض الفقراء يبكى ، يحكى عن نفسه أن له عشرة أيام لم يأكل ، فشكا إلى بعض إخوانه الجوع ، قال : ثم مررت ببعض الأزقّة ، فنظرت إلى درهم مطروح عليه مكتوب أما كان اللّه عزّ وجلّ بجوعك عالما حتى قلت إني جائع . وقال بعضهم : خفف من الطعام تبت بسلام . وقال رجل لبعض المشايخ إني جائع ، فقال : كذبت ، قال : إني جائع ، قال : كذبت قال : من أين علمت أنى كاذب ؟ قال : لأن الجوع في خزائنه الموثقة العزيزة ؛ فلا يطلع عليه من يفشى سرّه ، ولا يعطيه من يشكوه . وعن أبي هريرة قال : « والذي نفسي بيده ما أشبع النبي صلى اللّه عليه وسلم أهله ثلاثة أيام تباعا من خبز الحنطة حتى فارق الدّنيا » . وقال يحيى بن معاذ : الجوع طريق الصديقين . وعن الحسن قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم ، ألا فضيقوا مجراه بالجوع والعطش » . وعن بكر بن عبد اللّه المزنى قال : ثلاثة يحبهم اللّه تعالى : رجل قليل الأكل ، قليل النوم ، قليل الراحة : وثلاثة يبغضهم اللّه تعالى : رجل كثير الأكل ، كثير النوم كثير الراحة . وعن عكرمة أنّ النّبى صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ أهل الجوع في الدّنيا هم أهل الشبع في الآخرة ، وإنّ أبغض النّاس إلى اللّه سبحانه المتخمون الملآى ، وما ترك عبد أكلة يشتهيها إلا كانت له درجة في الجنّة » .